سيد قطب
1193
في ظلال القرآن
عليه وما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح . . وهي تأخذ أهميتها من ناحية تقرير المبدأ الإسلامي الأول : مبدأ حق الحاكمية المطلقة للّه وحده ؛ وتجريد البشر من ادعاء هذا الحق أو مزاولته في أية صورة من الصور . . وحين تكون القضية هي قضية هذا المبدأ فإن الصغيرة تكون كالكبيرة في تحقيق هذا المبدأ أو نقضه . . ولا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة يؤكل منها أو لا يؤكل ؛ أو أن يكون أمر دولة تقام أو نظام مجتمع يوضع . فهذه كتلك من ناحية المبدأ . وهذه كتلك تعني الاعتراف بألوهية اللّه وحده ؛ أو تعني رفض هذه الألوهية . والمنهج القرآني يتكئ كثيرا جدا على هذا المبدأ لتقريره في كل مناسبة . ولا يمل تكراره حيثما جاءت مناسبته أمام كل تشريع للصغير وللكبير من الأمور . . ذلك أن هذا المبدأ هو العقيدة ، وهو الدين ، وهو الإسلام ؛ وليس وراءه من هذا الدين كله إلا التطبيقات والتفريعات . وسنجد في هذا المقطع من السورة - كما سنجد في بقيتها إلى ختامها - أن تقرير هذا المبدأ يكرر في صور شتى ؛ بمناسبة عرض شرائع الجاهلية وتقاليدها ؛ ويتضح ارتباط هذه الشرائع والتقاليد بالشرك والاستكبار عن الإسلام ؛ وانبثاقها من نقطة إقامة ألوهية أخرى غير ألوهية اللّه ، ومن ثم يسلط عليها القرآن هذه الحملات العنيفة ، المنوعة الأساليب ، ويربطها هذا الربط بأصل الاعتقاد وأصل الإيمان والإسلام . إن السياق يبدأ بتقرير جهة الحاكمية في أمر العباد كله - تمهيدا لتقرير جهة الحاكمية في التحليل والتحريم في الذبائح ، الأمر الذي يزاول فيه المشركون حق الحاكمية افتراء على اللّه واعتداء على سلطانه - ويمهد لهذا الأمر تمهيدا طويلا كما نلحظ من سياق الآيات في هذا الموضع : « أفغير اللّه أبتغي حكما ، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ، والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، فلا تكونن من الممترين . وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته ، وهو السميع العليم . وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون . إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين » . هذا التمهيد كله يجيء قبل أن يدخل في الموضوع الواقع الحاضر الذي يمهد له هذا التمهيد ، ثم يربطه ربطا مباشرا بقضية الإيمان أو الكفر : « فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ . . إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ . . وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ - إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ » . وقبل أن ينتهي من عرض قضية التحليل والتحريم - بعد ذلك التمهيد كله - يفصل بين فقرتين بتوجيهات وتعقيبات أخرى ، تحوي مؤثرات قوية من الأمر والنهي والبيان والوعيد : « وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ . وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ . إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ » . . ثم يستأنف الحديث في قضية التحليل والتحريم ؛ فيربطها مباشرة بقضية الإسلام والشرك : « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ - وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ . . وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » . . ثم يمضي بعد ذلك شوطا آخر في الحديث عن طبيعة الكفر وطبيعة الإيمان . . شوطا كأنه تعقيب على أمر التحليل والتحريم .